الخطيب الشربيني

620

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

ثم بين سبب جوازها بقوله تعالى : فَكُّ ، أي : الإنسان رَقَبَةٍ ، أي : خلصها من الرق وذلك بأن يعتق رقبة في ملكه أو يعطي مكاتبا ما يصرفه في فك رقبته . روي أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه » « 1 » . قال الزمخشري : وفي الحديث : « أنّ رجلا قال لرسول الله صلى اللّه عليه وسلم دلني على عمل يدخلني الجنة . قال : تعتق النسمة وتفك الرقبة . قال : أو ليسا سواء ؟ قال : لا إعتاقها أن تنفرد بعتقها ، وفكها أن تعين في تخليصها من قود أو غرم ، والعتق والصدقة من أفضل الأعمال » « 2 » . وعن أبي حنيفة أن العتق أفضل من الصدقة ، وعن صاحبيه : الصدقة أفضل . قال الزمخشري : والآية أدل على قول أبي حنيفة لتقديم العتق . وقال عكرمة : يعني فك رقبته من الذنوب . وقال الماوردي : ويحتمل أنه أراد فك رقبته وخلاص نفسه باجتناب المعاصي وفعل الطاعات ، ولا يمنع الخبر من هذا التأويل وهو أشبه بالصواب . أَوْ إِطْعامٌ ، أي : دفع الإطعام لشيء له قابلية ذلك . فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ، أي : مجاعة ، والسغب : الجوع . يَتِيماً ، أي : إنسانا صغيرا لا أب له ذا مَقْرَبَةٍ ، أي : ذا قرابة لك بأن كان بينك وبينه قرابة ، يقال : فلان ذو قرابتي ، وذو مقربتي . أَوْ مِسْكِيناً وهو من له مال أو كسب يقع موقعا من كفايته ، ولا يكفيه . ذا مَتْرَبَةٍ ، أي : لصوق بالتراب لفقره . يقال : ترب إذا افتقر ، ومعناه : التصق بالتراب وأما أترب فاستغنى ، أي : صار ذا مال كالتراب في الكثرة كما قيل : أثرى . وعنه صلى اللّه عليه وسلم في قوله تعالى : ذا مَتْرَبَةٍ : « الذي مأواه المزابل » قال ابن عباس رضي الله عنهما : « هو المطروح على الطرق الذي لا بيت له » . وقال مجاهد : وهو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره . وقال قتادة : أنه ذو العيال . واحتج بهذه الآية على أنّ المسكين يملك شيئا لأنه لو كان لا يملك شيئا لكان تقييده بقوله تعالى : ذا مَتْرَبَةٍ تكريرا . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة برفع الكاف وجرّ رقبة وكسر همزة إطعام وفتح العين وبعدها ألف ورفع الميم منوّنة ، والباقون فك بنصب الكاف رقبة بالنصب أطعم بفتح الهمزة والعين والميم بغير تنوين ، ولا ألف بين العين والميم . فإن قيل : قوله تعالى : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ إلى آخره ذكر لا مرّة واحدة . قال الفرّاء والزجاج : والعرب لا تكاد تفرد لا مع الفعل الماضي حتى تعيد لا كقوله تعالى : فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى [ القيامة : 31 ] ؟ . أجيب : بأنه إنما أفردها لدلالة آخر الكلام على معناه فيجوز أن يكون قوله تعالى : ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا قائما مقام التكرير فكأنه قال : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ولا آمن . وقال الزمخشري : هي متكرّرة في المعنى : لأنّ معنى فلا اقتحم العقبة فلا فك رقبة ولا أطعم مسكينا ، ألا ترى أنه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الكفارات حديث 6715 ، ومسلم في العتق حديث 1509 . ( 2 ) أخرجه ابن حجر في الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف 169 ، والسيوطي في الدر المنثور 6 / 181 ، والبخاري في الأدب المفرد 69 ، والبيهقي في السنن الكبرى 10 / 271 ، والبغوي في تفسيره 5 / 257 .